الشيخ محمد النهاوندي
498
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
عبادة امّته ، وفيه المبالغة في دفع شبهة طمعه في الأجر الدنيوي وإظهار غاية الشّفقة بهم ، فهذا نظير قول الوالد لولده : إنّي لا أطلب باحساني إليك وتربيتي إياك أجرا إلّا أن تحفّظ نفسك ومالك من التّلف . وقيل : إنّ المراد لا أسألكم على الدعوة إلى اللّه إلّا أن يشاء أحد أن يتقرّب إلى اللّه بالانفاق في الجهاد وسائر الخيرات ، فيتّخذ به سبيلا إلى رحمة ربّه ونيل ثوابه « 1 » . وقيل : إنّ الاستثناء منقطع « 2 » ، والمعنى لا أسألكم عليه أجرا لنفسي ، ولكن أسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتّخاذ السبيل إلى ربّكم « 3 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 58 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه تظاهر الكفّار على عداوة اللّه ورسوله ، أمر نبيه صلّى اللّه عليه وآله بالاعتماد عليه في دفع شرّهم بقوله : وَتَوَكَّلْ واعتمد يا محمد في دفع شرّهم وكفاية أمور معاشك ومعادك عَلَى ربّك الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ فإنه الحقيق بأن يتوكّل عليه دون الحيّ الذي من شأنه أن يموت ، فانّه بالموت يضيّع من توكّل عليه وَسَبِّحْ ونزّه ربّك من النقائص الامكانية كالعجز والحاجة والجهل والغفلة ونظائرها ، أو صلّ لربك ، أو قل : سبحان اللّه ، حال كونك مقرنا له بِحَمْدِهِ والثناء عليه بنعوت الكمال وطلب مزيد إنعامه بشكره على سوابق نعمه . ثمّ وعد سبحانه نبيّه بالانتقام من أعدائه بقوله : وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ ما ظهر منها وما بطن خَبِيراً ومطّلعا لا يحتاج إلى غيره في تعذيبهم والانتقام منهم ، لكمال قدرته عليه ، فيجزيهم جزاء وافيا ، فلا عليك أن آمنوا أو كفروا ، أو أطاعوا أو خالفوا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 59 ] الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) ثمّ وصف نفسه بالقدرة الكاملة إرعابا للقلوب وتقوية للدواعي على التوكّل عليه بقوله : الَّذِي خَلَقَ بقدرته السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الموجودات فِي مدّة مقدارها مقدار سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا ، أو في ستة أوقات كلّ وقت منها محدود بالإضافة إلى ما خلق فيه ، على
--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 24 : 102 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 6 : 226 .